نستطيع، وبثقة كبيرة طرح فرضية مثيرة تقول بأن أخطر التحولات التي شهدتها نفوس السوريين طيلة العهد الأسدي هي انهيار مفهوم “الرعب” بمعناه التقليدي المتداول على المستوى الحياتي. إذ لم يعد الخوف يُبنى على المجهول، ولا على ما هو غرائبي أو خارق، بل على ما هو معلوم، مشخص، ومجرَّب.
اليوم، يمكن لهواة صنف القصص المثيرة أن يعثروا في منصة مثل “تيك توك” على قنوات مخصصة لحكايات الرعب، يروي أصحابها حكايات متداولة على المستوى الشعبي عن بيوت مسكونة، وأشباح تقطع الطرق البعيدة، وكائنات ليلية غامضة. غير أن هذا النوع من السرد يبدو، بالنسبة للسوريين، أقرب إلى خيال عام مستورد، ولا يمت بصلة حقيقية إلى الذاكرة الجمعية، ما الذي حدث للسوريين حتى صاروا متغربين عن غيرهم، في التعاطي مع حيثيات “المرعب” الذي يثير الآخرين؟
في تبيان دقة الفرضية التي نتحدث بها هنا، نتذكر أن السوريين عاشوا عقوداً طويلة شكلاً آخر من الرعب، أكثر واقعية وقسوة. فمنذ ستينات القرن الماضي، ترسخ خوف محدد المعالم: كالاعتقال، والاختفاء القسري، والتعذيب، والابتزاز الأمني. كان الرعب في حيواتهم واضح المصدر، والفاعل فيه معروف، ومفتوح النهاية؛ فحين يقال للسوري بأنه سيؤُخذ “وراء الشمس” فإن هذا التعبير لم يكن استعارة، أو تهديد أجوف، بل مصيراً ملموساً، تداوله الناس همساً، ثم جهراً.
أمام هذا الرعب الممنهج، يصبح الخوف من المجهول كالجني الذي يظهر ليلاً، أو الشبح الذي يسكن بيتاً مهجوراً، طرفة، أو حدثاً لا يمكن مقارنته بسيارة أمنية تقف فجأة في الشارع، لينزل منها عناصر يقتحمون البيوت، وينتهكون خصوصياتها، ويفعلون ما يريدون بأصحابها. الرعب الحقيقي لم يكن في المجهول القادم من عمق الظلام، بل في الخطر المعروف الذي يمتلك القدرة على تحويل الحياة إلى جحيم. المرعب لم يكن كامناً في الغيب، بل في يد السلطة التي تُخرج شياطين العنف المنفلت ضد معارضيها.
في تجربة شخصية حديثة، طلبت من السوريين الذين عاشوا رعب ركوب سيارة الـ”بيجو ستيشن”، تلك التي ارتبطت في المخيال العام بأجهزة المخابرات، أن يحكوا قصصهم معها! جاءت الشهادات تباعاً، وكل قصة كانت أكثر رعباً من أي حكاية خارقة. تلك السيارة، بشكلها العادي، كانت أيقونة خوف جماعي، تفوق في أثرها أي صورة شيطانية أو أسطورية.
قبل يومين مرت ذكرى مجزرة مدينة حماه، التي تمت صناعتها من أجل تأبيد الخوف لدى السوريين من إظهار أي مقاومة ضد الأسديين، وقد نجح المجرمون في جعل الذكرى أيقونة رعب حقيقي بقيت عالقة في مساراتهم العصبية ردحاً طويلاً، دون القدرة على تعيينه أو الحديث عنه، وكما في معالجة المصابين بالأذيات النفسية كان يمكن للحديث عما جرى علناً أن يساهم في تطبيب النفوس مما تعانيه من أزمات وتشوهات، لكن هذا غير القابل للتحقق، كان مطلب الأسديين في أن تبقى لحظة الخوف تحلق فوق رؤوس الجميع!
أتذكر أن هذه اللحظة مثلت أيام عيوننا أنا وزملائي في المعهد العالي للفنون المسرحية، حين ذهبنا في رحلة طلابية إلى مدينة حماو في العام 1991، وحدث أن تجولنا بمفردنا في ردهات متحف حماه الوطني، وفي غرفة ما على سطحه قرأنا عبارة كتبها أحد عناصر سرايا الدفاع تقول: “من هنا مر جنود الأسد”! نعم هذه العبارة تكفي لأن يُستعاد الرعب السوري كله في خمس كلمات!
ربما، يمكن القول إن الخوف الأك
اليوم، يمكن لهواة صنف القصص المثيرة أن يعثروا في منصة مثل “تيك توك” على قنوات مخصصة لحكايات الرعب، يروي أصحابها حكايات متداولة على المستوى الشعبي عن بيوت مسكونة، وأشباح تقطع الطرق البعيدة، وكائنات ليلية غامضة. غير أن هذا النوع من السرد يبدو، بالنسبة للسوريين، أقرب إلى خيال عام مستورد، ولا يمت بصلة حقيقية إلى الذاكرة الجمعية، ما الذي حدث للسوريين حتى صاروا متغربين عن غيرهم، في التعاطي مع حيثيات “المرعب” الذي يثير الآخرين؟
في تبيان دقة الفرضية التي نتحدث بها هنا، نتذكر أن السوريين عاشوا عقوداً طويلة شكلاً آخر من الرعب، أكثر واقعية وقسوة. فمنذ ستينات القرن الماضي، ترسخ خوف محدد المعالم: كالاعتقال، والاختفاء القسري، والتعذيب، والابتزاز الأمني. كان الرعب في حيواتهم واضح المصدر، والفاعل فيه معروف، ومفتوح النهاية؛ فحين يقال للسوري بأنه سيؤُخذ “وراء الشمس” فإن هذا التعبير لم يكن استعارة، أو تهديد أجوف، بل مصيراً ملموساً، تداوله الناس همساً، ثم جهراً.
أمام هذا الرعب الممنهج، يصبح الخوف من المجهول كالجني الذي يظهر ليلاً، أو الشبح الذي يسكن بيتاً مهجوراً، طرفة، أو حدثاً لا يمكن مقارنته بسيارة أمنية تقف فجأة في الشارع، لينزل منها عناصر يقتحمون البيوت، وينتهكون خصوصياتها، ويفعلون ما يريدون بأصحابها. الرعب الحقيقي لم يكن في المجهول القادم من عمق الظلام، بل في الخطر المعروف الذي يمتلك القدرة على تحويل الحياة إلى جحيم. المرعب لم يكن كامناً في الغيب، بل في يد السلطة التي تُخرج شياطين العنف المنفلت ضد معارضيها.
في تجربة شخصية حديثة، طلبت من السوريين الذين عاشوا رعب ركوب سيارة الـ”بيجو ستيشن”، تلك التي ارتبطت في المخيال العام بأجهزة المخابرات، أن يحكوا قصصهم معها! جاءت الشهادات تباعاً، وكل قصة كانت أكثر رعباً من أي حكاية خارقة. تلك السيارة، بشكلها العادي، كانت أيقونة خوف جماعي، تفوق في أثرها أي صورة شيطانية أو أسطورية.
قبل يومين مرت ذكرى مجزرة مدينة حماه، التي تمت صناعتها من أجل تأبيد الخوف لدى السوريين من إظهار أي مقاومة ضد الأسديين، وقد نجح المجرمون في جعل الذكرى أيقونة رعب حقيقي بقيت عالقة في مساراتهم العصبية ردحاً طويلاً، دون القدرة على تعيينه أو الحديث عنه، وكما في معالجة المصابين بالأذيات النفسية كان يمكن للحديث عما جرى علناً أن يساهم في تطبيب النفوس مما تعانيه من أزمات وتشوهات، لكن هذا غير القابل للتحقق، كان مطلب الأسديين في أن تبقى لحظة الخوف تحلق فوق رؤوس الجميع!
أتذكر أن هذه اللحظة مثلت أيام عيوننا أنا وزملائي في المعهد العالي للفنون المسرحية، حين ذهبنا في رحلة طلابية إلى مدينة حماو في العام 1991، وحدث أن تجولنا بمفردنا في ردهات متحف حماه الوطني، وفي غرفة ما على سطحه قرأنا عبارة كتبها أحد عناصر سرايا الدفاع تقول: “من هنا مر جنود الأسد”! نعم هذه العبارة تكفي لأن يُستعاد الرعب السوري كله في خمس كلمات!
ربما، يمكن القول إن الخوف الأك