“فاصلة ضائعة”: التحليق فوق زيف البرستيج

“فاصلة ضائعة”: التحليق فوق زيف البرستيج
ربما كان على “طفل الأقطان” أن يشكر سجانيه في الرقة، فلولا عتمة زنازينهم لما بدا ضوء الشمس على وجهه بهذا الجلال، ولولا ضيق القيد لما انفردت جناحاه في سماء الحرية كأنه طائر أسطوري خرج لتوه من رماد الديمقراطية المزعومة.

ففي معتقلات “قسد”، حيث كانت تُصادر البراءة خلف أقنعة الشعارات الزائفة، لم يكن المشهد يحتاج إلى أي رتوش، بل كان يكفي ذلك الغبار العالق على ثياب ذاك الصغير ليشهد على سنوات من تغييب الطفولة في غرفٍ أرادها “الرفاق” أن تكون مقبرة للأحلام تحت مسمى الإدارة والزيف السياسي.

وبينما كان “طفل الأقطان” يمارس فن الطيران بكل جوارحه محطماً قضبان سنين من التغييب القسري، كان ثمة مشهد آخر يضج بالبهلوانية في عشوائيات الفضاء الرقمي وصالونات الفكر المعمقة، حيث يطل علينا “المناضلون تحت الطلب” الذين شرّحهم الفنان محمد هماش في أغنيته الجديدة “يا مصيبتك يا بهية”.

أولئك الكائنات الزئبقية التي ترتدي المبادئ كما تُرتدى القمصان، مفصلين إياها على مقاس المصلحة والبرستيج الاجتماعي الذي يمنحهم تذاكر دخول حصرية لنخبة بارعة في القفز على كل الحبال.

هنا تلتقي مأساة رصيف الرقة بمهزلة صالونات بهية، فهؤلاء “المتمسّحون” بالعلمانية والنسوية لم يروا في تغييب طفل الأقطان قضية تستحق الضجيج، لأن بوصلة “النضال” لديهم لا تتحرك إلا إذا لاحت في الأفق “عيون عسلية” أو منح دولية تعزز حضورهم كأوصياء على الحداثة.

إنهم يمارسون اقتصاد الأزمات في أبشع صوره، حيث يعتاشون على “اللاصق الطبي والشاش” ويخشون الشفاء الوطني أكثر من المرض نفسه، لأن المعاش والمكانة سينقطعان حتماً لو صار البلد “تمام ومية بالمية”.

هكذا يتحول النضال لديهم إلى مهنة تتطلب استمرار الوجع لضمان تدفق التمويل، وهذا ما يفسر صمتهم المريب عن سجون “الرفاق” في قسد، فالسجن في عرفهم يصبح ديمقراطياً، والحرمان من الطفولة يتحول إلى ضرورة حداثية ما دام السجان يتقن فن الشعارات التي تروق لصالونات “بهية” المهووسة بالمظاهر.

لقد برعت قيادات “قسد” ومن لف لفيفهم في ابتكار مبررات لوجود أطفال في معتقلاتهم، ووجدوا في بهلوان النضال المزيف من يغطي على هذا الخواء الأخلاقي بتشويش فكري يُمارس باسم الحداثة المقلدة.

لكن مشهد وثبة “طفل الأقطان” الأسطورية، وهو يشق زحام الشارع بجناحيه وينفض غبار سنوات الاعتقال، حطم كل تلك السرديات والروايات البالية، وفضح “سوق النخاسة الثقافي” الذي تُباع فيه القضايا الكبرى وتُشترى.

لقد طار ذاك الصغير بعيداً عن قبضتهم، ليؤكد أن الفجر الذي منحه إياه الوطن بنقاء هويته الجديدة، هو الرد الحقيقي على كل سنوات القهر والحرمان.

حلّق “طفل الأقطان” عالياً، بينما بقي سجانوه مقيدين بخوفهم، وبقي “المناضلون تحت الطلب” تائهين “متل الولد بالعرس”، وتحوّل رصيف الرقة إلى مدرج إقلاع ملائكي، معلناً أن الحقائق تُحلّق دائماً فوق زيف البريستيج، مهما بلغت دقة الأقنعة وتعددت صالونات “بهية”.

Read Full Article on Thawra alwehda →

This article was originally published on Thawra alwehda.